رأس المال البشري في قلب التطوير: البريد المصري يدرّب 41,800 موظف لقيادة التحول الرقمي
من الموظف التقليدي إلى الموظف الرقمي.. كيف استثمر البريد في الإنسان قبل التكنولوجيا؟

تدرك إدارة البريد المصري أن أي تحول رقمي حقيقي لا يمكن أن ينجح بالاعتماد على البنية التحتية والتكنولوجيا وحدهما، بل يتطلب بالأساس كوادر بشرية مؤهلة وقادرة على التعامل مع النظم الحديثة بكفاءة واحترافية. ومن هذا المنطلق، وضعت الهيئة القومية للبريد ملف «التدريب وبناء القدرات» على رأس أولويات خطة التطوير الشاملة، باعتباره حجر الزاوية في إعادة بناء المؤسسة وتحقيق الاستدامة في الأداء.
ووفقًا للأرقام الواردة في ملف «سياسات التطوير»، نجحت الهيئة خلال فترة زمنية قصيرة في تنفيذ برنامج تدريبي واسع النطاق، شمل أكثر من 41,800 موظف في مختلف القطاعات والإدارات، بهدف تأهيلهم للتعامل مع منظومات التحول الرقمي، وتطوير مهاراتهم التقنية والسلوكية، بما يتماشى مع الدور الجديد الذي يقوم به البريد المصري كمؤسسة مالية وخدمية رقمية.
برامج تدريبية متعددة المستويات
شملت البرامج التدريبية التي نفذها البريد المصري محاور متنوعة، صُممت بعناية لتلبية احتياجات التطوير المختلفة داخل المؤسسة. فقد جرى التركيز على المهارات التقنية المرتبطة باستخدام نظم الشمول المالي، وتشغيل ماكينات الصراف الآلي ونقاط البيع، والتعامل مع المحافظ الإلكترونية، إلى جانب التدريب على أساسيات الأمن السيبراني وحماية البيانات، في ظل تزايد الاعتماد على المعاملات الرقمية.
وفي الوقت ذاته، أولت الهيئة اهتمامًا خاصًا بتطوير مهارات التواصل وخدمة العملاء، من خلال برامج متخصصة في «الإتيكيت البريدي» وأساليب التعامل الاحترافي مع الجمهور، بهدف تحسين تجربة المواطن داخل المكاتب البريدية، وتحويلها إلى تجربة إيجابية تعكس الصورة الجديدة للمؤسسة.
مركز تدريب إقليمي بدور إقليمي ودولي
وفي خطوة تعكس الطموح الإقليمي للبريد المصري، جرى إنشاء مركز تدريب إقليمي تابع للهيئة في منطقة المعادي، مجهز بأحدث الوسائل التعليمية والتكنولوجية. ولا يقتصر دور هذا المركز على تدريب الكوادر المصرية فحسب، بل يمتد ليشمل تدريب كوادر من دول أفريقية وعربية، ما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي لبناء القدرات في قطاع البريد والخدمات المالية.
ويُعد هذا المركز منصة لتبادل الخبرات ونقل التجارب الناجحة، ويسهم في توحيد المعايير المهنية في القطاع، بما يدعم التعاون الإقليمي ويعكس الدور الريادي لمصر في مجالات التحول الرقمي والخدمات البريدية الحديثة.
أثر مباشر على الأداء والإنتاجية
أظهر التقرير أن الاستثمار المكثف في تدريب العنصر البشري انعكس بشكل مباشر على أداء الهيئة، حيث ساهم في رفع معدلات الإنتاجية وتقليل الأخطاء البشرية في المعاملات المالية والخدمية، إلى جانب تسريع إنجاز الخدمات وتحسين مستوى الدقة والالتزام بالمعايير.
كما طبّقت الهيئة نظامًا حديثًا لتقييم الأداء، يربط بين مستوى الكفاءة والحوافز والترقيات، ما أسهم في خلق بيئة عمل تنافسية داخل المؤسسة، وشجّع الموظفين على تطوير مهاراتهم والابتكار في أساليب العمل، بدل الاكتفاء بالأنماط التقليدية.
تمكين الشباب وتحديث الخبرات المتراكمة
ويشير التقرير إلى أن أحد أسرار نجاح برنامج التدريب تمثل في المزج بين تمكين الشباب وتأهيلهم لقيادة المنظومات الرقمية، وبين إعادة تدريب الكوادر ذات الخبرة الطويلة على «لغة العصر» وأدواته الحديثة. هذا التكامل بين الخبرة والتجديد ساعد على الحفاظ على الاستقرار المؤسسي، وفي الوقت ذاته دفع عجلة التحديث بسرعة وكفاءة.
وقد انعكس هذا النهج بوضوح على قدرة البريد المصري على تحقيق أرباح قياسية، وتطوير مئات المكاتب في وقت قياسي، دون الإخلال بجودة الخدمة أو الاستقرار الوظيفي.
موظف البريد.. نموذج للموظف الرقمي
تؤكد تجربة البريد المصري في الاستثمار في رأس المال البشري أن التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من الإنسان. ومع تأهيل عشرات الآلاف من الموظفين، أصبح «موظف البريد» اليوم نموذجًا للموظف الرقمي في الجمهورية الجديدة، القادر على التعامل مع التكنولوجيا بثقة، وتقديم خدمة حكومية ومالية بمستوى احترافي يليق بتطلعات المواطنين.



