البريد المصري من مؤسسة تقليدية إلى عملاق رقمي: كيف قاد التحول التكنولوجي ثورة في الخدمات الحكومية؟

استراتيجية بدأت في 2020 أعادت صياغة دور البريد ورفعت عدد عملائه إلى ملايين وقادته ليكون ركيزة أساسية في مشروع «مصر الرقمية»

شهدت الهيئة القومية للبريد المصري خلال العامين الأخيرين تحولًا جذريًا يُعد من أكبر التحولات في تاريخ المؤسسات الخدمية بمصر، حيث انتقلت من كيان تقليدي يقتصر دوره على الخدمات البريدية وصرف المعاشات إلى مؤسسة تكنولوجية متكاملة تقود أحد أهم مسارات التحول الرقمي في الدولة. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية واضحة وتنسيق مؤسسي مستمر بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والهيئة القومية للبريد.

ومنذ يوليو 2020، بدأت ملامح هذه النقلة النوعية تتشكل عبر استراتيجية طموحة قادها المهندس عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتور شريف فاروق رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للبريد، هدفت بالأساس إلى إعادة تعريف دور البريد في حياة المواطن المصري، وتحويله من مقدم خدمات تقليدية إلى منصة رقمية شاملة تخدم مختلف فئات المجتمع.

خمسة محاور لإعادة بناء البريد

ارتكزت الاستراتيجية الجديدة للبريد المصري على خمسة محاور رئيسية، شملت تطوير البنية التحتية، وتعظيم الربحية والاستدامة المالية، وتوسيع نطاق الشمول المالي، وتعزيز مبادئ الحوكمة، فضلًا عن المشاركة الفاعلة في تنفيذ مشروع «مصر الرقمية». وقد ساهم هذا الإطار الاستراتيجي في إعادة بناء منظومة العمل داخل الهيئة، وربطها بشكل مباشر بالأهداف التنموية للدولة.

وشهدت البنية التحتية للبريد طفرة غير مسبوقة، سواء من حيث تحديث المكاتب البريدية أو إدخال نظم تكنولوجية متقدمة لإدارة العمليات، ما أتاح تقديم خدمات أكثر كفاءة وسرعة، وقلّص من زمن انتظار المواطنين، ورفع جودة الخدمة بشكل ملموس.

البريد بوابة المواطن للخدمات الحكومية

لم يعد دور البريد مقتصرًا على إرسال الخطابات أو الطرود، بل تحول إلى نافذة رئيسية يحصل من خلالها المواطن على عدد متزايد من الخدمات الحكومية المميكنة. فقد أصبح بإمكان المواطنين استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وتجديد بطاقات الرقم القومي، وسداد مخالفات المرور، والحصول على خدمات التأمينات والمعاشات، من خلال مكاتب البريد المنتشرة في مختلف أنحاء الجمهورية.

هذا التوسع في الخدمات ساهم بشكل مباشر في تقليل الاعتماد على المعاملات الورقية، وخفّف الضغط على المصالح الحكومية، ووفّر على المواطنين الوقت والجهد، في إطار توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات وتحقيق مبدأ الحكومة الذكية.

قفزة رقمية فرضتها جائحة كورونا

مع اندلاع جائحة كورونا عام 2020، برز دور البريد المصري كأحد أعمدة الاستقرار الخدمي والمالي، حيث سارعت الهيئة إلى استبدال الحلول التقليدية بمنظومات رقمية مؤمنة تضمن استمرار تقديم الخدمات دون انقطاع. وتم تطوير نظم الدفع الإلكتروني، وتوسيع استخدام المحافظ الرقمية، وتحديث آليات صرف المعاشات، بما يضمن سلامة المواطنين وسهولة إجراء المعاملات.

وقد انعكس هذا التحول الرقمي السريع على مستوى ثقة المواطنين في خدمات البريد، حيث شهدت الهيئة نموًا ملحوظًا في قاعدة عملائها، إذ ارتفع عدد العملاء إلى نحو 23 مليون عميل بحلول يونيو 2022، بزيادة تقدر بنحو مليوني عميل مقارنة بعام 2020، في مؤشر واضح على نجاح سياسة التطوير والدمج التكنولوجي.

شريك أساسي في التحول الرقمي للدولة

اليوم، لم يعد البريد المصري مجرد جهة خدمية، بل أصبح شريكًا استراتيجيًا لمختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في تنفيذ مشروعات التحول الرقمي والشمول المالي. ويعكس هذا الدور الجديد قدرة المؤسسات العريقة على التكيف مع متطلبات العصر، حين تتوافر الرؤية الواضحة والإدارة الفعالة والدعم المؤسسي.

ويبدو أن ما تحقق خلال العامين الماضيين ليس سوى بداية لمسار أطول، يرسخ مكانة البريد المصري كأحد أهم أذرع الدولة في بناء اقتصاد رقمي شامل، يخدم المواطن، ويدعم التنمية، ويواكب التحولات العالمية المتسارعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى