البريد المصري والعدالة الخدمية… هل نجح في سد الفجوة بين الريف والمدينة؟

تُعد العدالة في توزيع الخدمات أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة المصرية، وفي هذا السياق يبرز البريد المصري كنموذج فريد لمؤسسة حافظت على انتشارها الجغرافي الواسع رغم التغيرات الاقتصادية والسياسية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل نجحت مكاتب البريد فعليًا في تحقيق عدالة خدمية بين الريف والمدينة؟تاريخيًا، كان البريد هو المؤسسة الحكومية الوحيدة الحاضرة في القرى الصغيرة والنجوع، حتى في الفترات التي غابت فيها البنوك، أو تراجعت فيها الخدمات الصحية والتعليمية. هذا الحضور منح البريد ثقة شعبية كبيرة، وجعله حلقة الوصل الأساسية بين الدولة والمواطن في المناطق المهمشة.في المدن الكبرى، تطورت مكاتب البريد بوتيرة أسرع، سواء من حيث الشكل، أو مستوى الخدمات، أو الاعتماد على التكنولوجيا. أما في الريف، فغالبًا ما يسير التطوير بوتيرة أبطأ، بسبب ضعف البنية التحتية، أو نقص الكوادر المدربة، أو محدودية الاستثمارات المخصصة لبعض المناطق.ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن البريد المصري لعب دورًا مهمًا في دمج الريف ضمن المنظومة المالية الرسمية. فدفاتر التوفير البريدية لا تزال وسيلة الادخار الأولى لملايين الأسر الريفية، خاصة النساء، نظرًا لبساطتها وغياب التعقيدات البنكية.لكن التحديات تتصاعد مع توسع مهام البريد. فصرف المعاشات والدعم النقدي، إلى جانب الخدمات المالية الجديدة، خلق ازدحامًا مزمنًا في بعض المكاتب، وأدى أحيانًا إلى تراجع جودة الخدمة. كما أن الفجوة الرقمية بين المناطق المختلفة تؤثر على استفادة المواطنين من الخدمات الإلكترونية التي يروج لها البريد.العدالة الخدمية لا تتعلق فقط بوجود مكتب بريد في كل قرية، بل بقدرة هذا المكتب على تقديم خدمة فعالة، وسريعة، ومحترمة لكرامة المواطن. وفي هذا الإطار، لا يزال البريد المصري في مرحلة انتقالية، بين مؤسسة تقليدية تحاول الحفاظ على دورها الاجتماعي، ومؤسسة حديثة تسعى لمنافسة البنوك وشركات الدفع الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى