الشمول المالي عبر البريد المصري: 23 مليون عميل وطفرة غير مسبوقة في المعاملات الإلكترونية ونقاط البيع
من “دفتر التوفير” إلى مؤسسة مالية شاملة تنافس البنوك وتفتح آفاقًا جديدة للفئات غير المشمولة مصرفيًا

أصبح البريد المصري خلال السنوات الأخيرة أحد الأعمدة الرئيسية لتطبيق منظومة الشمول المالي في مصر، بعدما نجح في إعادة تعريف دوره كمؤسسة مالية وخدمية قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الفئات التي ظلت لعقود خارج نطاق الخدمات المصرفية التقليدية. وتكشف المؤشرات الرقمية عن حجم التحول الذي شهدته الهيئة، حيث تجاوز عدد عملاء البريد المصري 23 مليون عميل، يعتمدون على خدماته المالية المتنوعة، في مؤشر واضح على تنامي الثقة الشعبية في هذه المنظومة.
وتُظهر بيانات الأداء المالي طفرة لافتة في استخدام بطاقات البريد المصري، لا سيما في ما يتعلق بالمعاملات الإلكترونية ونقاط البيع (POS). فقد بلغ عدد العمليات المنفذة عبر نقاط البيع التابعة للبريد نحو 16.7 مليون عملية خلال العام المالي 2020-2021، قبل أن يقفز الرقم إلى أكثر من 20.8 مليون عملية في العام المالي التالي، بنسبة نمو بلغت 24.23%، وهو معدل يعكس تسارع التحول نحو الدفع الإلكتروني وتراجع الاعتماد على النقد.
منافس حقيقي للبنوك لا مجرد بديل
لم يعد البريد المصري مجرد قناة بديلة لتقديم بعض الخدمات المالية البسيطة، بل تحول إلى منافس حقيقي للبنوك في سوق المدفوعات والمعاملات الإلكترونية. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة العمليات المنفذة من خلال بطاقات البريد بلغت نحو 52.48% من إجمالي العمليات المالية التي تمت عبر ماكينات الصراف الآلي ونقاط البيع خلال العامين الماضيين، وهو رقم يعكس ثقل البريد في منظومة الدفع الوطنية.
هذا التوسع لم يأتِ على حساب الجودة أو الأمان، إذ استثمرت الهيئة بشكل مكثف في تحديث بنيتها التكنولوجية، وتأمين المعاملات المالية، وتطوير أنظمة التشغيل، بما يضمن سرعة الأداء وحماية بيانات العملاء، ويعزز ثقة المستخدمين في الخدمات الرقمية المقدمة.
خدمات رقمية تلامس حياة المواطن اليومية
وسّع البريد المصري نطاق خدماته المالية ليشمل حلولًا رقمية تلبي الاحتياجات اليومية للمواطنين، حيث أتاح منصات متطورة للتمويل متناهي الصغر، إلى جانب المحافظ الإلكترونية، التي مكّنت ملايين المستخدمين من سداد مصروفات المدارس، وأقساط مشروعات الإسكان، والرسوم الحكومية المختلفة بسهولة ويسر.
كما اعتمد البريد على تقنيات حديثة مثل رمز الاستجابة السريعة (QR Code)، ما سمح بإجراء المدفوعات دون الحاجة إلى حمل النقود أو التعامل المباشر مع ماكينات الصراف الآلي، وهو ما ينسجم مع توجه الدولة نحو بناء مجتمع أقل اعتمادًا على النقد، وأكثر اندماجًا في الاقتصاد الرقمي.
التأمين متناهي الصغر.. خطوة نوعية جديدة
وفي إطار استكمال منظومة الشمول المالي، اتخذ البريد المصري خطوة استراتيجية غير مسبوقة بتوقيع اتفاقية لإنشاء شركة تأمين متناهي الصغر، تُعد الأولى من نوعها في السوق المصري. وتهدف هذه الشركة إلى تقديم حلول تأمينية ميسرة للفئات غير المشمولة ماليًا، وعلى رأسها العمالة الموسمية وأصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
وتُعد هذه الخطوة نقلة نوعية في دور البريد، حيث تتجاوز فكرة الادخار أو التحويلات المالية، لتدخل مجال الحماية الاجتماعية والاقتصادية، بما يساهم في تقليل المخاطر التي تواجه الفئات الهشة، ويدعم استقرارها المالي على المدى الطويل.
من مؤسسة تقليدية إلى ذراع اقتصادية فاعلة
تعكس هذه التحولات أن البريد المصري لم يعد مجرد «دفتر توفير» أو جهة لصرف المعاشات، بل أصبح مؤسسة مالية شاملة تلعب دورًا فاعلًا في دعم الاقتصاد القومي، وتعزيز الشمول المالي، ودمج ملايين المواطنين في المنظومة الاقتصادية الرسمية.
ويؤكد هذا المسار أن الاستثمار في التكنولوجيا، إلى جانب الانتشار الجغرافي الواسع لمكاتب البريد، مكّن الهيئة من تحقيق معادلة صعبة تجمع بين البساطة في الخدمة، والعمق في الأثر الاقتصادي، ما يجعل البريد المصري أحد أبرز النماذج الناجحة في التحول المؤسسي داخل القطاع العام.



