في دراسة بحثية.. البريد أجرى تحولات عميقة في طرق إدارته الداخلية
من الفوضى الورقية إلى الإدارة اللحظية بالبيانات.. الشفافية الرقمية كمدخل للإصلاح المؤسسي

تناول التقرير البحثي ” أوراق القاهرة “، أحد أكثر محاور التطوير حساسية وتأثيراً في مسيرة تحديث الهيئة القومية للبريد، وهو تطبيق نظام تخطيط موارد المؤسسات (ERP – Enterprise Resource Planning)، الذي يُعد العمود الفقري لأي مؤسسة حديثة تسعى إلى الحوكمة الرشيدة والشفافية والاستدامة المالية. هذا النظام لم يكن مجرد تحديث تقني، بل مثّل تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة داخل واحدة من أقدم المؤسسات الحكومية في مصر.
إنهاء عصر “الجزر المنعزلة”
قبل تطبيق نظام الـ ERP، كانت القطاعات المختلفة داخل الهيئة تعمل بشكل شبه منفصل؛ قطاع مالي بمعزل عن الموارد البشرية، والمخازن بمعزل عن التشغيل، وهو ما كان يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار، وازدواجية في البيانات، وصعوبة في الرقابة. ويؤكد التقرير أن النظام الجديد نجح في دمج جميع القطاعات—المالية، الإدارية، الموارد البشرية، المشتريات، المخازن، والتشغيل—في قاعدة بيانات موحدة تعمل في الزمن الحقيقي (Real-Time).
هذا الدمج أنهى عملياً عصر الإدارة الورقية، وحوّل البريد المصري إلى مؤسسة تُدار وفق منهج الإدارة القائمة على البيانات (Data-Driven Management)، حيث أصبحت الأرقام والمؤشرات هي المرجعية الأولى في التخطيط واتخاذ القرار، بدلاً من التقديرات الشخصية أو التقارير المتأخرة.
رقابة مالية لحظية على أكثر من 4000 مكتب
أحد أبرز مكاسب النظام، بحسب التقرير، هو تمكين الإدارة العليا من مراقبة الإيرادات والمصروفات لحظة بلحظة في أكثر من 4000 مكتب بريد على مستوى الجمهورية. هذه القدرة غير المسبوقة في مؤسسة حكومية بهذا الحجم ساهمت في تعزيز الشفافية المالية، وسهّلت عمليات التدقيق والمراجعة، وقللت بشكل كبير من فرص الهدر أو التلاعب.
ويشير التقرير إلى أن أي انحراف مالي أو تشغيلي أصبح يظهر فوراً على لوحات المتابعة الرقمية (Dashboards)، ما يتيح التدخل السريع قبل تفاقم المشكلة. هذا التحول جعل الرقابة وقائية واستباقية، بدلاً من كونها رقابة لاحقة تكتشف الأخطاء بعد وقوعها.
إدارة ذكية للمخازن وتوفير ملايين الجنيهات
في قطاع المشتريات والمخازن، أحدث نظام الـ ERP نقلة نوعية من خلال التنبؤ الآلي بالاحتياجات بناءً على معدلات الاستهلاك الفعلية. ووفقاً للتقرير، ساهم ذلك في القضاء على مشكلات الشراء الزائد أو نقص المستلزمات الحيوية، وهي مشكلات كانت تكلف الهيئة ملايين الجنيهات سنوياً.
كما مكّن النظام من تتبع حركة المهمات البريدية والأصول بدقة، وربطها بخطط التشغيل، ما انعكس على تحسين كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتقليل فترات التعطل داخل المكاتب.
عدالة وظيفية وشفافية في الموارد البشرية
أما في قطاع الموارد البشرية، فقد مثّل تطبيق الـ ERP ثورة في إدارة العنصر البشري. حيث تم ميكنة ملفات الموظفين بالكامل، وربط الرواتب والحوافز والترقيات بمؤشرات أداء دقيقة (KPIs)، تعتمد على الإنتاجية والانضباط وجودة الخدمة.
ويؤكد التقرير أن هذا الربط بين الأداء والمكافأة خلق بيئة عمل أكثر عدالة وتنافسية، وأنهى مظاهر الاجتهاد غير المثمر أو الاعتماد على الأقدمية فقط، ما حفّز الموظفين على تطوير مهاراتهم والاندماج في مسار التحول الرقمي للمؤسسة.
الإصلاح الإداري كمدخل للإصلاح الاقتصادي
ويخلص التقرير إلى أن تطبيق نظام الـ ERP لم يكن هدفه التكنولوجيا في حد ذاتها، بل إعادة بناء المنظومة الإدارية على أسس حديثة من الحوكمة والمساءلة والكفاءة. هذه الحوكمة الرقمية كانت أحد الأسباب الرئيسية في تحقيق الهيئة أرباحاً قياسية، ورفع كفاءة التشغيل بنسبة تجاوزت 40%، إلى جانب تقليص زمن الدورات الإدارية وتسريع تقديم الخدمات.
إن تجربة البريد المصري في تطبيق أنظمة عالمية بهذا الحجم داخل مؤسسة حكومية عريقة، تقدم دليلاً عملياً على أن الإصلاح الإداري هو المدخل الحقيقي للإصلاح الاقتصادي، وأن التحول الرقمي ليس شعارات، بل أدوات ملموسة قادرة على تحويل المؤسسات العامة من عبء على الموازنة إلى كيانات منتجة وقادرة على المنافسة في عصر الاقتصاد الرقمي.



