مستقبل الشحن البحري في 2026: التحديات، التحولات، والفرص التكنولوجية

يمثل قطاع الشحن البحري العمود الفقري للتجارة الدولية، إذ يمر عبره أكثر من 80% من حجم البضائع العالمية. ومع دخول عام 2026، يواجه القطاع مرحلة إعادة تشكيل عميقة نتيجة تداخل عوامل اقتصادية، تنظيمية، وجيوسياسية، إضافة إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تعيد رسم ملامح سلاسل التوريد العالمية. يشهد الشحن البحري العالمي ضغوطًا متزايدة نتيجة تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التكاليف التشغيلية. وفق تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، بعد نمو التجارة البحرية الدولية بنسبة 2.2% في 2024، يُتوقع أن يتراجع معدل النمو إلى 0.5% بنهاية 2025، قبل أن يستقر متوسط نموه عند نحو 2% سنويًا خلال 2026-2030. وفي هذا الإطار، تتوقع شركات عملاقة مثل CMA CGM تباطؤًا ملحوظًا في 2026 بسبب بيئة تشغيلية أكثر تحديًا، مع ضغوط على الربحية وزيادة المنافسة. كما شهد قطاع بناء السفن طفرة غير مسبوقة في 2025، مع طلبات جديدة تجاوزت 10 ملايين حاوية نمطية، ما سيدفع أسطول السفن العالمي للنمو بنسبة 3.6%، لكن استمرار زيادة المعروض مع تباطؤ الطلب قد يؤدي إلى انخفاض أسعار الشحن بنسبة 10% عالميًا.
رغم هذه التحديات، يواجه القطاع العديد من الضغوط التشغيلية والعملياتية. يتمثل التحدي الأبرز في إزالة الكربون والامتثال للوائح المنظمة البحرية الدولية، حيث يسهم الشحن البحري بنحو 3% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وتسعى المنظمة إلى خفضها بنسبة 20% بحلول 2030 و70% بحلول 2040. تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات ضخمة في الوقود البديل مثل الميثانول، الأمونيا، والهيدروجين الأخضر، فضلاً عن تطوير البنية التحتية للموانئ ومحركات السفن. كما تمثل التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية ضغطًا كبيرًا على القطاع، فالرسوم الجمركية والسياسات الحمائية تؤثر على أحجام التجارة وتزيد تكاليف الشحن نتيجة إعادة هيكلة سلاسل التوريد وارتفاع أقساط التأمين على السفن، مما يدفع الشركات إلى تنويع وجهات التصدير والاستيراد والبحث عن ممرات بحرية أكثر كفاءة. ومن بين التحديات الأخرى، نقص العمالة الماهرة، إذ تشير تقديرات غرفة الشحن الدولية إلى احتمال عجز يصل إلى 90 ألف بحار مدرَّب بحلول 2026 نتيجة شيخوخة القوى العاملة وتداعيات الجائحة العالمية وتدني الأجور، إضافة إلى تعقيدات التدريب ومتطلبات العمل الصارمة. كما يبرز تحدي “أسطول الظل” الذي يعمل خارج الأطر التنظيمية الدولية، ما يزيد المخاطر البيئية والأمنية ويقلل من ثقة المستثمرين في الالتزام بالمعايير العالمية.
على الجانب الإيجابي، يفتح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة لتعزيز قدرة القطاع التنافسية. فالأتمتة في المناولة والفرز والتخزين ترفع كفاءة التشغيل وتقلل زمن الدورة اللوجستية. النماذج التنبؤية تحسن مسارات السفن وتخفض استهلاك الوقود والانبعاثات، بينما الصيانة التنبؤية تحد من الأعطال المفاجئة وفترات التوقف غير المخطط لها. كما تساهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في السلامة البحرية عبر توليد تنبيهات فورية للمخاطر المحتملة، سواء المرتبطة بالأحوال الجوية أو احتمالات الاصطدام أو تهديدات الأمن السيبراني. هذا التقدم لا يلغي الحاجة للعنصر البشري، بل يغير طبيعة القوى العاملة ويزيد الطلب على مهارات تحليل البيانات وتشغيل الأنظمة الذكية وإدارة الأمن السيبراني والإشراف على البنى التكنولوجية الحديثة. الاستثمار في التدريب والتأهيل أصبح ضرورة استراتيجية لإعداد كوادر قادرة على التعامل مع البنية اللوجستية الرقمية بكفاءة، بما يتوافق مع متطلبات الصناعة البحرية المستقبلية.
يتضح أن القطاع البحري يواجه تحديات ناتجة عن التحولات الجيوسياسية وتباطؤ التجارة العالمية، إضافة إلى الالتزامات التنظيمية للحد من الانبعاثات، وفي ظل إعادة رسم خريطة التجارة البحرية بفعل الرسوم والقيود التجارية. تظهر الحاجة الملحة لتطوير استراتيجيات أكثر مرونة، تعزيز الشراكات الدولية، وبناء قدرات بشرية تتكيف مع بيئة تشغيلية معقدة. ومع ذلك، يمتلك القطاع فرصًا كبيرة لإعادة بناء قدرته التنافسية عبر الاستثمار في التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتي يمكن أن تحدث تحولًا جوهريًا في كفاءة العمليات وسلامة الملاحة وإدارة الأساطيل. النقل البحري يظل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، والموانئ الذكية هي بوابات المستقبل التي تحدد من سيقود الأسواق العالمية. القدرة الرقمية والسرعة اللوجستية أصبحتا أهم من الموقع الجغرافي التقليدي، مع تزايد الاعتماد على الخوارزميات والأنظمة الذكية في توجيه السفن العملاقة، ما يجعل من الاستثمار في التكنولوجيا والموارد البشرية استراتيجية حتمية للنجاح في العقد المقبل.



