تحليل مالي: كيف قفزت أرباح البريد المصري لمستويات قياسية رغم التحديات الاقتصادية العالمية؟
من الطوابع إلى الخدمات المالية واللوجستية.. نموذج ربحية حديث يحوّل البريد إلى قوة اقتصادية

تحولت الهيئة القومية للبريد في مصر خلال السنوات الأخيرة من مجرد مؤسسة خدمية تقليدية إلى واحدة من أكثر الهيئات الاقتصادية ربحية في الدولة، بفضل نموذج عمل تجاري متطور يدمج الخدمات المالية، اللوجستية، والعقارية. ويكشف التحليل المالي الصادر عن مركز «راعِ» أن الهيئة استطاعت تحقيق طفرة غير مسبوقة في إيراداتها رغم التحديات الاقتصادية العالمية، مستفيدة من التحول الرقمي وتنوع مصادر الدخل.
تنويع مصادر الدخل: من الطوابع إلى الخدمات المالية
كانت الطوابع والخطابات البريدية تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات تاريخيًا، إلا أن البريد المصري نجح في إعادة هيكلة نموذج عمله بحيث تصبح الخدمات المالية واللوجستية المحرك الأساسي للأرباح. فقد تمكنت الهيئة من استقطاب مدخرات أكثر من 23 مليون عميل ضمن منظومة الشمول المالي، مع توفير أدوات دفع إلكترونية ونقاط بيع (POS)، ما رفع حجم الأموال المدارة لديها بشكل كبير.
ويشير التقرير إلى أن استثمار هذه المدخرات في محافظ متنوعة، تشمل أدوات الدين الحكومي، والمشاركة في شركات لوجستية وتكنولوجية، ساهم في تعظيم العائد على الأصول، ما جعل البريد أحد أهم اللاعبين في القطاع المالي غير المصرفي في مصر.
التحول الرقمي يقلص النفقات التشغيلية
ويؤكد التحليل المالي أن التحول من المعاملات الورقية إلى الرقمية ساهم بشكل كبير في تقليص النفقات التشغيلية والإدارية. فقد تم تقليل تكاليف الورق والنقل والتخزين اليدوي، بالإضافة إلى تقليل الأخطاء البشرية وتسريع إنجاز المعاملات. وبهذا، لم يعد البريد يعتمد على الدعم الحكومي المباشر في تمويل أنشطته، بل أصبح قادرًا على تمويل خطط تطويره الضخمة داخليًا.
قطاع الاستثمار العقاري: أصول غير مستغلة تتحول إلى أرباح
لم تقتصر استراتيجية الربحية على الخدمات المالية فقط، بل امتدت إلى قطاع الاستثمار العقاري التابع للهيئة، حيث تم استغلال المباني التاريخية والأصول غير المستغلة وتحويلها إلى مراكز إبداع وفروع نموذجية توفر دخلاً ثابتًا ومستدامًا. هذا التوجه ساهم في إضافة قيمة مالية ملموسة إلى ميزانية الهيئة، ودعم خطط التوسع والتطوير دون زيادة أعباء الدولة.
تمويل خطة التطوير الضخمة ذاتياً
وتشير البيانات إلى أن الأرباح المحققة مكنت البريد من تمويل خطة التطوير الضخمة البالغة 4 مليارات جنيه لتحديث المكاتب البريدية، وتوسيع أسطول النقل، وإنشاء مراكز لوجستية، وتحديث المطابع، دون الحاجة لأي دعم مالي إضافي من الموازنة العامة للدولة. ويعد هذا إنجازًا استثنائيًا يعكس قدرة الهيئة على تحويل الموارد الذاتية إلى مشاريع استراتيجية تدر أرباحًا مستدامة.
حوكمة وشفافية: الأساس في النمو المالي
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن السر الحقيقي وراء هذه القفزة المالية يكمن في الحوكمة الرشيدة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي المتكامل، ما يجعل البريد نموذجًا يحتذى به لتحويل الهيئات الحكومية الخاسرة إلى مؤسسات منتجة، تسهم سنويًا بمليارات الجنيهات في الموازنة العامة للدولة.
البريد المصري نموذج نجاح مستدام
تثبت تجربة البريد المصري أن الجمع بين التكنولوجيا، تنويع الخدمات، وإدارة الأصول بكفاءة يمكن أن يحوّل أي هيئة حكومية تقليدية إلى قوة اقتصادية رائدة، قادرة على المنافسة وتقديم قيمة فعلية للمواطنين والدولة في الوقت ذاته. إن هذا النموذج يعكس رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين الربحية، الجودة، والتحول الرقمي، ليصبح البريد المصري مثالًا ناجحًا على ما يمكن أن تحققه الهيئات الحكومية بإدارة حديثة ورؤية مستقبلية.



