تكنولوجيا الرعاية الاجتماعية: منظومة ذكية لصرف المعاشات وتوصيلها للمنازل تخدم 7 ملايين مستفيد

من طوابير الانتظار إلى الخدمة المنزلية المؤمّنة.. كيف أعاد البريد المصري كرامة أصحاب المعاشات؟

يمثل ملف أصحاب المعاشات أحد أكثر الملفات حساسية وأولوية في خطة تطوير البريد المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بملايين المواطنين الذين يعتمدون على المعاش كمصدر دخل أساسي. وفي هذا الإطار، يخدم البريد المصري ما يقرب من 7 ملايين صاحب معاش في مختلف محافظات الجمهورية، ما جعله يتحول من مجرد جهة صرف إلى ركيزة أساسية في منظومة الرعاية الاجتماعية للدولة.

ووفقًا للتقرير الصادر حول سياسات تطوير قطاع البريد، اعتمدت الهيئة القومية للبريد استراتيجية شاملة تقوم على مفهوم «التكنولوجيا بلمسة إنسانية»، تهدف إلى تحديث منظومة صرف المعاشات بالكامل، مع مراعاة البعد الاجتماعي والإنساني لهذه الفئة. وقد مثّل هذا التوجه قطيعة واضحة مع أنماط الصرف التقليدية التي ارتبطت لسنوات طويلة بطوابير الانتظار والتكدس أمام المكاتب.

من الكارت الورقي إلى الدفع الإلكتروني الذكي

في خطوة مفصلية، تم استبدال «الكارت اليدوي» التقليدي ببطاقات دفع إلكترونية ذكية من نوع «ميزة»، تُمكّن أصحاب المعاشات من صرف مستحقاتهم المالية في أي وقت، ومن خلال أي ماكينة صراف آلي تابعة للبريد المصري أو البنوك، دون التقيد بمواعيد الصرف أو الازدحام داخل المكاتب.

هذا التحول لم يقتصر على التسهيل فقط، بل أسهم في تعزيز كرامة المستفيدين، ومنحهم حرية أكبر في إدارة أموالهم، فضلًا عن رفع مستوى الأمان وتقليل مخاطر فقدان أو تلف المستندات الورقية. كما ساعد في دمج أصحاب المعاشات ضمن منظومة الشمول المالي، وجعلهم جزءًا من التحول نحو الاقتصاد غير النقدي.

خدمة توصيل المعاشات للمنازل.. نقلة إنسانية

ولم يتوقف التطوير عند حدود الرقمنة، بل أطلق البريد المصري واحدة من أكثر الخدمات تأثيرًا اجتماعيًا، وهي خدمة «توصيل المعاشات للمنازل»، الموجهة لفئات معينة من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة الذين يجدون صعوبة في التوجه إلى المكاتب أو استخدام ماكينات الصراف الآلي.

تعتمد هذه الخدمة على أسطول من سيارات البريد المجهزة، إلى جانب مندوبين مدرّبين يحملون ماكينات صرف محمولة (Handheld)، تتيح التحقق الفوري من هوية المستفيد وصرف المعاش له داخل منزله في إطار من الأمان الكامل. وقد لاقت هذه المبادرة إشادة واسعة من المستفيدين وأسرهم، واعتُبرت نقلة نوعية في مفهوم الرعاية الاجتماعية التي يقدمها البريد المصري.

تنظيم الخدمة وتقليل التزاحم

وفي سياق استكمال منظومة التطوير، استحدثت الهيئة نظام «حجز المواعيد» الإلكتروني عبر تطبيق الهاتف المحمول، ما أتاح لأصحاب المعاشات حجز موعد مسبق قبل التوجه إلى المكتب، لتجنب التزاحم وضمان سرعة الحصول على الخدمة. وقد برزت أهمية هذا النظام بشكل خاص خلال جائحة كورونا، حيث ساعد في تقليل التكدسات وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية.

ويُعد هذا النظام أحد نماذج الإدارة الذكية للخدمات العامة، إذ يسمح بتوزيع الكثافة البشرية على مدار اليوم، ويُحسن من كفاءة التشغيل داخل المكاتب البريدية.

فوائد اقتصادية وبيانات لصناع القرار

ويشير التقرير إلى أن استثمارات البريد المصري في تحديث أنظمة صرف المعاشات لم تحقق فقط مكاسب اجتماعية، بل أسهمت أيضًا في تقليل التكاليف التشغيلية، وزيادة سرعة دوران الأموال داخل المنظومة المالية. كما وفّرت هذه الأنظمة قاعدة بيانات دقيقة وحديثة حول أنماط الصرف والاستهلاك الخاصة بأصحاب المعاشات.

وتُمكّن هذه البيانات صناع القرار من بناء سياسات حماية اجتماعية أكثر دقة وفاعلية، تستند إلى معلومات حقيقية، بما يدعم التخطيط الاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط والطويل.

الرعاية الاجتماعية في ثوب رقمي إنساني

تكشف تجربة البريد المصري في إدارة ملف المعاشات عن نموذج متقدم يجمع بين الكفاءة التكنولوجية والبعد الإنساني، ويؤكد أن التحول الرقمي لا يكتمل إلا إذا انعكس إيجابًا على حياة المواطنين اليومية. ومع استمرار تطوير هذه المنظومة، يرسّخ البريد مكانته كذراع اجتماعية واقتصادية للدولة، قادرة على تقديم خدمات تحفظ كرامة المواطن وتواكب متطلبات العصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى