مكاتب البريد في مصر… من خدمة تقليدية إلى ذراع مالية للدولة

البريد المصري

لم تكن مكاتب البريد في مصر مجرد أماكن لإرسال الخطابات أو استلام الطرود، بل شكّلت عبر عقود طويلة أحد أعمدة البنية الخدمية للدولة، خاصة في القرى والمناطق النائية التي لم تصلها البنوك أو المؤسسات المالية الحديثة. ومع التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها مصر، عادت مكاتب البريد لتتصدر المشهد بوصفها أداة مالية واجتماعية في آن واحد.يضم البريد المصري أكثر من 4600 مكتب منتشرين في جميع المحافظات، وهو رقم يتجاوز عدد فروع معظم البنوك العاملة في السوق المصرية مجتمعة. هذا الانتشار منح البريد ميزة استراتيجية، جعلته قناة مثالية لتمرير السياسات المالية والاجتماعية للدولة، سواء عبر صرف المعاشات، أو دعم برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، أو تقديم خدمات الادخار للمواطنين من محدودي الدخل.خلال السنوات الأخيرة، شهدت مكاتب البريد تحولات كبيرة، تمثلت في تحديث البنية التكنولوجية، وإدخال نظم ميكنة شاملة، وربط المكاتب إلكترونيًا، وإطلاق بطاقات الدفع المسبق، والمحافظ الإلكترونية، وخدمات التحويل المالي الداخلي والدولي. هذه التحولات لم تكن ترفًا إداريًا، بل ضرورة فرضتها متغيرات الاقتصاد الرقمي وتراجع الاعتماد على الخدمات الورقية التقليدية.ومع ذلك، لا تزال مكاتب البريد تؤدي دورًا اجتماعيًا لا يمكن تجاهله. ففي الريف المصري، يمثل مكتب البريد نقطة التقاء يومية لكبار السن، وأصحاب المعاشات، والعمالة غير المنتظمة. ويعتمد ملايين المواطنين على البريد كوسيط مالي آمن مقارنة بالبنوك التي تتطلب إجراءات أكثر تعقيدًا.ورغم التطوير، تواجه مكاتب البريد تحديات حقيقية، أبرزها الضغط الشديد الناتج عن زيادة عدد المتعاملين مقابل محدودية عدد الموظفين في بعض الفروع، إضافة إلى تفاوت مستوى الخدمة بين المناطق الحضرية والريفية. كما أن بعض المكاتب لا تزال تعاني من بنية تحتية متهالكة، ما يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي عن التطوير والواقع الفعلي للمواطن.في المحصلة، لم يعد البريد المصري مجرد مؤسسة خدمية، بل تحول إلى ذراع مالية غير مصرفية للدولة، تلعب دورًا محوريًا في إدارة السيولة، وتنفيذ برامج الدعم، ودمج شرائح واسعة من المجتمع في المنظومة المالية الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى