البريد والاستثمار العقاري: تعظيم قيمة الأصول التاريخية وتحويلها لمراكز إبداع وابتكار
من المكاتب التقليدية إلى حاضنات للشركات الناشئة.. كيف يحول البريد المصري التراث إلى أصول منتجة

تمتلك الهيئة القومية للبريد محفظة عقارية ضخمة تشمل مبانٍ تاريخية في أرقى ميادين مصر، وقد انتهجت الهيئة سياسة استراتيجية تهدف إلى تعظيم العائد من هذه الأصول التاريخية بما يوازن بين الحفاظ على التراث وتحقيق الربحية الاقتصادية. ويكشف التقرير الصادر عن مركز «راعِ» أن الاستراتيجية الجديدة لم تعد تقتصر على استخدام المباني كمكاتب بريد تقليدية، بل بدأت في تحويل أجزاء منها إلى مراكز إبداع رقمي (Creativa) بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتصبح حاضنات للشركات الناشئة والمبدعين الشباب.
الحفاظ على التراث وتحويله إلى موارد مالية
من أبرز الأمثلة، تطوير المباني التاريخية في القاهرة، الإسكندرية، وأسوان، حيث تم إجراء أعمال الترميم مع الحفاظ على الطراز المعماري الفريد لكل مبنى، وربطها بأحدث البنية التحتية التكنولوجية، بما في ذلك ألياف ضوئية، غرف اجتماعات ذكية، ومساحات عمل مشتركة. هذا التوجه يحقق هدفًا مزدوجًا: الحفاظ على التراث المعماري المصري من التدهور، وخلق موارد مالية جديدة للهيئة من خلال تأجير هذه المساحات للشركات الناشئة أو الشراكة مع القطاع الخاص.
تطوير الأراضي غير المستغلة ومشروعات حديثة
إلى جانب المباني التاريخية، قامت الهيئة بالاستثمار في أراضيها غير المستغلة لإنشاء مراكز لوجستية ومباني إدارية حديثة، ما ساهم في رفع قيمة المحفظة الاستثمارية للهيئة. ويشير التقرير إلى أن هذه الخطوة تجعل البريد المصري لاعبًا محوريًا في النهضة العمرانية التي تشهدها مصر، حيث يتم استثمار الأصول العقارية بطريقة مستدامة تحقق فوائد اقتصادية طويلة الأمد.
دعم الابتكار وريادة الأعمال
تحويل بعض المباني إلى مراكز إبداع وحاضنات للشركات الناشئة يعكس رؤية الهيئة في دمج التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي مع الإرث الثقافي. توفر هذه المراكز مساحات عمل مشتركة، وتسهيلات للشباب من رواد الأعمال، مع تقديم خدمات الدعم الفني والتدريب على استخدام الأدوات الرقمية الحديثة، بما يعزز الابتكار ويوفر فرص عمل جديدة. ويؤكد التقرير أن هذه المبادرات ساعدت في جعل البريد المصري منصة للشركات الناشئة والمبدعين في قلب المدن التاريخية، ما يربط بين التراث، الاقتصاد، والتكنولوجيا.
أثر استراتيجي طويل المدى
يوضح التقرير أن الإدارة الاحترافية للأصول العقارية جعلت البريد المصري نموذجًا رائدًا في الاستثمار العقاري الحكومي، حيث تحافظ على التراث، وتولد أرباحًا، وتدعم ريادة الأعمال. وتضيف هذه الخطوة بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا للمؤسسة، إذ يساهم في جذب الاستثمارات التكنولوجية، وتحويل المباني التاريخية إلى بيئة عمل عصرية وجاذبة للشباب، بما يتماشى مع رؤية الجمهورية الجديدة للتنمية المستدامة.
وبذلك، يثبت البريد المصري أنه أكثر من مجرد مؤسسة خدمية؛ فهو مستثمر عقاري استراتيجي، وحاضنة للابتكار، وحافظ للتراث الثقافي المصري، يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل في نموذج مستدام يعزز من قيم التطوير الاقتصادي والاجتماعي في قلب المدن المصرية.



