«البريد المصري».. القوة الهادئة التي أعادت رسم علاقة الدولة بالمواطن

شهد قطاع البريد المصري خلال الفترة من 2020 إلى 2022 واحدة من أعمق عمليات إعادة الهيكلة في تاريخه الممتد لأكثر من 150 عامًا. تقرير مركز «رع» للدراسات الاستراتيجية حول سياسات تطوير قطاع البريد في مصر يقدّم قراءة شاملة لهذا التحول، معتبرًا أن ما جرى لم يكن مجرد تحديث إداري أو تكنولوجي، بل إعادة تعريف شاملة لدور البريد داخل منظومة الدولة والاقتصاد والمجتمع.
التقرير ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن البريد لم يعد مؤسسة هامشية، بل تحوّل إلى ذراع تنفيذية للدولة في ملفات التحول الرقمي، الشمول المالي، العدالة المكانية، والتنمية المستدامة.
أولًا: التحول الرقمي والشمول المالي… البريد كنافذة الدولة للمواطن
يرصد التقرير كيف أصبح البريد المصري أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة «مصر الرقمية»، خاصة في المناطق الريفية والنجوع. فمن خلال رقمنة المدفوعات الحكومية، تحوّل البريد إلى قناة موثوقة لتحصيل الرسوم السيادية، مثل الضرائب، المخالفات المرورية، فواتير المرافق، والتأمينات الاجتماعية.
هذا الدور لم يسهّل فقط وصول المواطن إلى خدمات الدولة، بل ساهم في:
-
تقليل التسرّب المالي
-
رفع كفاءة التحصيل
-
إدماج ملايين المواطنين في النظام المالي الرسمي
ويؤكد تقرير مركز رع أن الشمول المالي هنا لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية داخل مكاتب البريد المنتشرة في القرى، ما حدّ من التهميش الرقمي وسد فجوة تاريخية بين المركز والأطراف.
ثانيًا: البنية التحتية الذكية… من التتبع الفضائي إلى البيانات الضخمة
أحد أبرز محاور التقرير يتمثل في الاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية. فقد اعتمد البريد المصري على:
-
أنظمة تتبع الطرود عبر الأقمار الصناعية
-
منصات تحليل البيانات الضخمة (Big Data)
-
شبكات ربط إلكتروني موحدة بين المكاتب ومراكز الفرز
هذا التطوير، وفق التقرير، أعاد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، بعد عقود من الصورة النمطية عن البطء وعدم الكفاءة. وأصبحت حركة الطرود والخدمات قابلة للتتبع والمساءلة في كل مراحلها.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي… ثورة هادئة في التشغيل وخدمة العملاء
يولي تقرير مركز رع أهمية خاصة لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هيكل البريد، سواء عبر:
-
مراكز الاتصال الذكية
-
الدردشة التفاعلية (Chatbots)
-
محركات الفرز الآلي المعتمدة على القراءة الإلكترونية للعناوين
هذه التقنيات قللت نسبة الخطأ البشري إلى مستويات شبه معدومة، ورفعت سرعة المعالجة اليومية للطرود بنحو 40%. كما ساهمت في إعادة توزيع الجهد البشري، بحيث يركّز الموظفون على المهام المعقدة بدل الأعمال الروتينية.
ويعتبر التقرير هذا التحول نقطة فاصلة في انتقال البريد من هيئة تقليدية إلى كيان يجمع بين:
-
الخدمات المالية (FinTech)
رابعًا: الاستدامة والطاقة الخضراء… البعد البيئي للتطوير
لا يتعامل التقرير مع التطوير بوصفه تقنيًا فقط، بل يسلّط الضوء على البعد البيئي. فقد بدأ البريد المصري في:
-
استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل عدد من المكاتب
-
تحديث الأسطول بسيارات صديقة للبيئة
-
تقليل البصمة الكربونية لسلاسل التوزيع
ويرى مركز رع أن هذا التوجه يضع البريد المصري على مسار جديد يجمع بين الخدمة العامة والتنمية المستدامة، ويؤهله مستقبلًا للعب دور ريادي إقليمي في مجال «الاقتصاد الأخضر».
خامسًا: التوسع الإقليمي… القاهرة كمركز لوجستي لإفريقيا
يرصد التقرير طموح البريد المصري للتحول إلى منسق إقليمي للخدمات البريدية في إفريقيا، عبر تفعيل بروتوكولات تعاون مع الاتحاد البريدي الإفريقي. الهدف هو تحويل القاهرة إلى مركز توزيع لوجستي (Hub) للطرود القادمة من أوروبا وآسيا والمتجهة إلى القارة السمراء.
هذا التوجه يمنح البريد المصري:
-
ميزة تنافسية في التجارة العابرة للحدود
-
دورًا داعمًا للصادرات المصرية
-
أداة ناعمة لتعزيز الحضور المصري في إفريقيا
سادسًا: العنصر البشري… التحدي الأكبر للاستدامة
رغم الإشادة بالنجاحات، لا يغفل تقرير مركز رع التحديات، وعلى رأسها تطوير العنصر البشري. فالتكنولوجيا المتقدمة، بحسب التقرير، قد تتحول إلى عبء إن لم تواكبها برامج تدريب حقيقية.
ويؤكد التقرير ضرورة:
-
تأهيل الكوادر على إدارة المحافظ الاستثمارية
-
التدريب على تكنولوجيا الفضاء والبيانات الضخمة
-
سد الفجوة بين التطور التقني والأداء البشري
البريد كعقد اجتماعي وتقني جديد
في قراءته الختامية، يعتبر تقرير مركز رع أن البريد المصري نجح في صياغة عقد اجتماعي وتقني جديد مع المواطن. لم تعد مكاتب البريد مجرد نقاط خدمة، بل منصات جامعة للخدمات المالية والرقمية واللوجستية.
ويخلص التقرير إلى أن البريد أصبح أقوى ذراع تنفيذية للدولة في الوصول إلى المواطن البسيط، وأن الاستثمارات التي ضُخت تحولت إلى خدمات ملموسة قلّصت التهميش المالي والرقمي.
أما الرؤية المستقبلية، فتذهب إلى أبعد من ذلك، متوقعة أن يصبح البريد المصري أول بنك رقمي أخضر في المنطقة، يجمع بين المال والخدمة والبيئة، ويضمن لمصر موقعًا متقدمًا في اقتصاد المعرفة العالمي.



